عبد القادر الجيلاني

33

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ : « سبقت رحمتي غضبي » « 1 » ، وقال اللّه تعالى لنبيّه : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ( 107 ) [ الأنبياء : الآية 107 ] ، وقال اللّه تعالى : . . . قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ [ المائدة : الآية 15 ] ، وقال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ : « لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك » « 2 » . الفصل العاشر في بيان الحجب الظّلمانية والنورانيّة قال اللّه تعالى : وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ( 72 ) [ الإسراء : الآية 72 ] ، والمراد منه عمى القلب كما قال اللّه تعالى : . . . فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحجّ : الآية 46 ] . وسبب إعماه ظلمات الحجب والغفلة والنسيان بسبب بعد العهد من ربّه . وسبب الغفلة : الجهل من حقيقة الأمر الإلهي . وسبب الجهل : استيلاء الصّفات الظّلمانيّة عليه كالكبر والحقد والحسد والبخل والعجب والغيبة والنّميمة والكذب ونحو ذلك من الذّمائم . وسبب تنزّله إلى أسفل السّافلين هذه الصّفات . وإزالة هذه الصّفات الذّمائم بتصقيل مرآة القلب بمصقل التّوحيد وبالعلم والعمل والمجاهدة القويّة باطنا وظاهرا ؛ فتحصل حياة القلب بنور الأسماء والصّفات فيذكر وطنه الأصليّ فيشتاق إليه فيرجع ويصل بعناية الرّحمن . وبعد ارتفاع هذه الحجب الظّلمانيّة تبقى النّورانيّة ، ويصير بصيرا ببصيرة الرّوح ، ومنوّرا بنور الأسماء والصّفات حتّى ترتفع الحجب النّورانيّة تدريجا ؛ فينوّر بنور الذّات . واعلم أنّ للقلب في الباطن عينين : عين الصّغرى ، وعين الكبرى . فعين الصّغرى : تشاهد تجلّيات الصّفات بنور الأسماء والصّفات إلى انتهاء عالم الدّرجات .

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 6 / 2745 ) ، ومسلم ( 4 / 2108 ) . ( 2 ) أورده القاري في الأسرار المرفوعة ( 385 ) .